الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
23
مختصر الامثل
« أتدرون فيما انتطحتا ؟ » فقالوا : لا ندري . قال : « ولكن اللَّه يدري وسيقضي بينهما » . وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) مرّة أخرى يعود القرآن ليتطرّق إلى المنكرين المعاندين ، فيقول : « وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بَايَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى الظُّلُمَاتِ » . فهم لا يملكون آذاناً صاغية لكي يستمعوا إلى الحقائق ، ولا ألسناً ناطقةً بالحقّ توصل إلى الآخرين ما يدركه الإنسان من الحقائق . وبعد ذلك يقول القرآن الكريم : « مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ » . إنّ الهداية والضلالة اللتين تنسبان في هذه الحالات إلى مشيئة اللَّه إنّما هما ثواب اللَّه وعقابه لعباده على أفعالهم الحسنة أو السيئة . وبعبارة أخرى : قد يرتكب الإنسان أحياناً إثماً كبيراً يؤدّي به إلى أن يحيط بروحه ظلام مخيف ، فتفقد عينه القدرة على رؤية الحق ، وتفقد أذنه القدرة على سماع صوت الحق ، ويفقد لسانه القدرة على قول الحق . وقد يكون الأمر على عكس ذلك ، أي قد يعمل الإنسان أعمالًا صالحة كثيرة بحيث إنّ عالماً من النور والضوء يشع في روحه ، فيتسع بصره وبصيرته ، وتزداد أفكاره إشعاعا ، ويكون لسانه أبلغ في إعلان الحق ، ذلكم هو مفهوم الهداية والضلالة اللتين تنسبان إلى إرادة اللَّه ومشيئته . قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 40 ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ( 41 ) التوحيد الفطري : يعود الكلام مرّة أخرى إلى المشركين ، ويدور الاستدلال حول وحدانية اللَّه وعبادة الواحد الأحد عن طريق تذكيرهم باللحظات الحرجة والمؤلمة التي تمرّ بهم في الحياة ، ويستشهد بضمائرهم ، فهم في مثل تلك المواقف ينسون كل شيء ، ولا يجدون غير اللَّه ملجأ لهم . يأمر اللَّه سبحانه نبيّه أن : « قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ » . الحالة النفسية التي تصوّرها هذه الآية لا تنحصر في المشركين ، بل في كل إنسان حين يتعرّض إلى الشدّة وحوادث الخطر وقد لا يلجأ الإنسان في الحوادث الصغيرة والمألوفة إلى